حكايات الأمومة: تجربة سارة مع التحديات والأمل

لكل أم حكاية مع الأمومة، ولكل حكاية جوانب متعددة؛ منها الجميل، ومنها المؤلم. ولكن مما لا شك فيه أنه كل حكاية من هذه الحكايات تستحق أن تُروى وأن تُسمع. ولأن كل أم هي بطلة في هذه القصة المليئة بالمشاعر والتضحيات. أردت أن أعرف جمهور منصة أمومة على قصتي، وتجربتي ليعرفوني بشكل أفضل.

بطاقة تعريفية

أنا سارة برحوش أم لأربعة أطفال رائعين، ابنتي الكبرى عمرها تسع سنوات، وتوأمي الثلاثي ولدين وبنت عمرهم خمس سنوات، وأنا أم معيلة. أنا لبنانية من بيروت، حاصلة على شهادة في تسويق الأعمال. وحاليا أنا المذيعة الرئيسية في منصة أمومة.

الحمل الأول

تجربتي مع حملي الأول بابنتي ميرال كانت تجربة جميلة جداً، وكان الحمل سهلاً، ولم أشعر بأي من أعراض الحمل المزعجة. كنت سعيدة جداً خلال فترة الحمل، ولم أشعر بأي اختلاف عن السابق إلا عندما ازداد حجم بطني وازداد وزني. ولكن وبالرغم من سهولة الحمل وجمال التجربة، إلا إني لم أكن مستعدة للتجربة، فقد تفاجأت بالحمل في البداية، ولكن مع مرور شهور الحمل العديدة ازددت تعلقاً بجنيني وتعلقت بفكرة الأمومة أكثر وأكثر.

الاعتناء بطفل حديث الولادة لأول مرة

لم أكن مستعدة لأعتني بمولود جديد، بالرغم إني ظننت عكس ذلك. إلا أنه وبعد ولادة طفلتي الأولى شعرت بقلق كبير، وبدأت أتساءل عما إذا كنت أعتني بطفلتي بطريقة صحيحة، وهل هناك أخطاء أقوم بها دون أن أدرك؟ في حقيقة الأمر عند ولادة طفلتي ميرال لم يكن لدي معلومات وخبرة كافية عن العناية بالمواليد. كنت أستمع كثيراً لما تنصحني به والدتي، وأقاربي من الأمهات، ولكني أدركت بعد ذلك أن كل هذه النصائح لم تكن مؤثرة كثيراً في تجربتي، وأن ما أمر به مع طفلتي جديد ومختلف عما ورد في كل هذه النصائح، مما جعل الأشهر الأولى بعد الولادة صعبة إلى حد ما.

 

 

ما كنت أتمنى معرفته قبل الحمل وقبل الولادة

لم أكن أعرف الكثير قبل الحمل، وظننت أنها ستكون تجربة عادية، وهي فترة مؤقتة وسألد بعد بضعة أشهر. كنت أتمنى لو أني عرفت قبل الحمل عن علامات الحمل المختلفة وعن أعراض الحمل، وعن مراحل الحمل والتغيرات التي ستحدث في جسمي في كل شهر من أشهر الحمل، وتمنيت لو كنت أعرف المزيد عن مراحل نمو الجنين. كما كنت أود لو كانت لدي دراية ومعرفة كافية عن العناية بالطفل حديث الولادة بشكل سهل. وكم تمنيت لو كنت أعرف كيف أهتم بنفسي خلال الحمل وبعد الولادة، فلطالما كنت أركز على العناية بصحتي لأجل صحة الجنين وفيما بعد لأجل الطفل الوليد، ولم أكن أفكر أبداً باحتياجاتي وكيف أعتني بنفسي، لأني لم أكن أعلم أنه من المهم أن أعتني بنفسي أيضاً.

تجربتي في حمل وولادة ثلاثة توائم

كانت تجربة قاسية جداً، ففي البداية لم أكن أعلم أني حامل بثلاثة توائم. كنت أعلم أني حامل كما سبق بطفل واحد، حيث لم يكن هناك سوى نبض قلب واحد واضح خلال مراجعاتي الأولى في عيادة الطبيب. إلا أنه وفي الزيارة الثالثة لطبيبي لاحظت تغيراً في معالم وجهه بينما كان يجري فحص الموجات فوق الصوتية، فشعرت بالقلق، وظننت أنه هناك خطب ما بجنيني. ليقول لي طبيبي أني حامل بأكثر من جنين، فظننت أني حامل بتوأم، ولكن عندما أخبرني بأني حامل بثلاثة توائم، شعرت بأني مثقلة بالمشاعر وبدأت بالبكاء. أحسست وقتها أني غير مستعدة لمثل هذه التجربة، لا من الناحية الجسدية ولا من الناحية النفسية، وبقيت على هذا الحال من الحيرة والخوف بضعة أيام.

كانت الخمسة شهور الأولى من الحمل، جميلة ولم يكن هناك أي مشاكل. إلا أن جاء الشهر الخامس وبدأت الصعوبات، فتبين أن مساحة الحوض لدي غير كافية لحمل ثلاثة أطفال، وفتح الرحم قبل موعده. ثم تم إدخالي للمستشفى لأخضع لجراحتين مختلفتين لإبقاء الأجنة في مكانهم ليتموا نموهم. وبعد خروجي من المستشفى واجهت الكثير من المصاعب والآلام، لأعود إلى المستشفى ثانية وأبقى فيها شهرين ونصف. لم أكن أعلم في البداية كم ستكون فترة بقائي بالمستشفى حيث أخبرني الأطباء أني سأبقى حتى يكتمل نمو الأطفال ولا تشكل ولادتهم أية خطورة عليهم. عندما أذكر تلك الفترة أقول بأني كنت من أوائل من جربوا الحجر قبل جائحة كورونا بسنوات، حيث كنت ممنوعة من الخروج من غرفتي، لم يكن مسموحاً لي سوى جولات قصيرة في ممرات المستشفى بينما أجلس في كرسي متحرك، لأعود بعدها وأكون حبيسة سرير المستشفى مجددا. كانت فترة صعبة جداً، وكنت أقنع نفسي يومياً بالصبر والانتظار لأجل أن يكبر أطفالي، ويزداد وزنهم فتكون ولادتهم دون خطورة.

ولد أطفالي التوأم في الأسبوع الواحد والثلاثين من الحمل، بينما كان يطمح الأطباء لاستمرار الحمل حتى الأسبوع الرابع والثلاثين على الأقل. كانوا مواليد خدج، فبعد الولادة مباشرة أدخلوا إلى العناية المركزة للأطفال المواليد. ولم يكن بإمكاني رؤيتهم أو لمسهم، أو الاطمئنان عليهم. بقي صغاري في الخداج مدة أربعين يوماً، مرض بعضهم خلالها. فلم تكن رئتي جاد على ما يرام، ولم يكن يتغذى جيداً، ولم يكن وضع كرم مستقراً أيضاً. أن أسمع مثل هذه الأخبار عن أطفالي بشكل يومي لم يكن بالأمر الهين أبداً. فبالرغم من تمكني من رؤيتهم لاحقاً لم أكن أحصل على أي طمأنينة من الطاقم الطبي، بأنهم سيكونون على ما يرام، وهو ما يفطر قلب أي أم. وعندما جاء اليوم لأخرجهم من المستشفى طُلب مني أن أوقع على تعهد بأن أعيدهم للمستشفى في حال لم يكن نموهم كما يجب. لذلك كان شغلي الشاغل بعد عودة أطفالي للبيت أن أحرص على أنهم يحصلون على كفايتهم من التغذية والنوم لينموا بسلام، ولكيلا يفارقونني عائدين إلى المستشفى.

 

 

كانت هذه الفترة صعبة إلى حد ما لأني كنت بمفردي في البداية، حتى أن جاءت والدتي لمساعدتي. وبعد المعاناة والانتظار، جاء يوم زيارة الطبيب للاطمئنان على صحتهم، وكان طبيب الأطفال سعيداً جداً بالنتائج، حيث ازداد وزن توائمي بصورة صحية، وتحسنت صحتهم بشكل ظاهر. كان هذا من أكبر التحديات في هذه التجربة.

كما تعرضت بعد الولادة للعديد من الأعراض بسبب التغيرات الكبيرة في الهرمونات، والناتجة عن حمل ثلاث توائم. حصلت على رعاية طبية لكي أتخطى هذه الأعراض التي أثرت في إلى حد بعيد، وتجاوزت هذه المحنة أيضاً بعد تسعة شهور من الولادة.

لم تكن تجربة سهلة إطلاقا، ولكن سعادتي بأطفالي ليس لها حدود. وأود أن تعلم كل امرأة حامل بتوائم أن الأمر مليء بالتحديات، وأنها تجربة تحتاج للكثير من المعرفة والدراية. ومن المهم أن تعتني الأم بنفسها إلى حد بعيد خلال الحمل وبعده.

 

تأثير تجربتي بحمل التوائم على ابنتي

كان التعامل مع ميرال ذات الخمس سنوات سهلاً جداً خلال حملي، ولكن الصعب بالأمر كان الابتعاد عنها خلال وجودي بالمستشفى. ولكني كنت أتواصل معها بشكل يومي وأشوقها لعودتي إلى البيت مع ثلاثة أطفال مواليد. وكانت ميرال تنتظر المواليد بحماس كبير كما تنتظر دمية تحبها. كانت تزورني بالمستشفى وتتحدث مع الجميع بفعل شخصيتها الاجتماعية والمحبة للآخرين، فلم يكن وقع هذه الزيارات سلبياً أبداً. كان من الصعب عليها ليلاً أن تخلد للنوم وهي تعلم بأني بعيدة عنها، وكان صعباً علي أن أبقى مشغولة البال عليها بينما أمر بهذه المحنة. ولكني ممتنة جداً لوجود والدتي مع ميرال،  والتي كانت عوناً كبيراً في هذه التجربة.

في عيد الأم من ذلك العام، كان هناك فيديو مصور في مدرسة ميرال، حيث سئل كل طفل لماذا يحب أمه وكان جواب ميرال: “لأنها تجلب لي الكثير من الأطفال المواليد”! بالمجمل كانت تجربتي مع ميرال تجربة إيجابية خلال ما مررت به من تحديات في حمل وولادة التوائم.

 

الصحة النفسية والأمومة

بالتأكيد كأي امرأة حامل مررت بتغييرات كبيرة أثرت في حالتي النفسية. وتجربتي بالحمل بالتوائم أثرت في حالتي النفسية إلى حد بعيد وذلك بسبب التحديات التي صاحبتها. ولكني لم أكن أعلم أن صحتي النفسية تأثرت أيضاً، فكنت أتحلى بالإيجابية على نحو مستمر وأخبر نفسي ومن حولي بأني على ما يرام. حتى عندما كنت أبكي كنت أظن أن هذا البكاء بسبب التعب، عندما أصاب بالأرق وصعوبات بالنوم كنت أعتقد أنه بسبب سهري مع توائمي الثلاثة. وبقيت مصرة أني بخير، وهذا كان خطأي! لذلك أنصح أي امرأة تشعر مشاعر مختلفة خلال الحمل أو بعد الولادة، ألا تستسلم بأنها مشاعر عادية وعابرة. فمن المهم أن تكون مطلعة وعلى دراية أكثر عن الصحة النفسية.

فأنا بقيت مصرة بأني على ما يرام إلى أن أصبت يوماً بصداع شديد جداً، فذهبت إلى الطبيب الذي قام بدوره بتحويلي لإجراء فحوصات وصور أشعة شاملة ومفصلة، ولم تظهر هذه الفحوصات والصور أي خطب عضوي. ثم جاء طبيب آخر ليقدم استشارة عن حالتي والصداع الذي أعاني منه. وكان تشخيصه بأني أعاني من إجهاد كبير جداً! ولم أكن أدرك ذلك أبداً، ولكني ممتنة جداً لأني تمكنت من الحصول على الرعاية الطبية والعلاج اللازمين لكي أتخطى هذه المصاعب النفسية، والتي تخلصت منها بعد حوالي 8 أو 9 شهور. ولكني لو بقيت مصرة بأني على ما يرام ولم أذهب لاستشارة الأطباء ربما لم أكن لأعلم أني أعاني من هذا الإجهاد النفسي.

التحديات التي تواجه الأم المعيلة

الأمومة بحد ذاتها تحدٍ كبير وصعب، أما أن تكون الأم معيلة ووحيدة على هذا الدرب فليس أمراً سهلاً إطلاقا. حيث أشعر أني ألعب أكثر من دور في الوقت نفسه، فأنا الأم، والأب والمعيلة لهذه الأسرة. فعادة ما تكون الأم هي الحانية والراعية، ويكون الأب هو المؤدب والحازم والصارم. أما الأم المعيلة فعليها لعب هذه الأدوار معاً وهو أمر في غاية الصعوبة. لم أتخط هذه الصعوبة، بل أنا في حالة تعلم مستمر ففي كل مرحلة عمرية لأطفالي هناك تحديات جديدة على مواجهتها. وبالرغم من كل هذه الصعوبة، إلا أنها ليست بالمهمة المستحيلة فيمكن للمرأة خوض هذه التجربة والنجاح بها أيضاً.

الموازنة بين العمل والأمومة

عمل الأم بحد ذاته ليس بالأمر السهل، هل يمكن الموازنة بالكامل بين العمل والأمومة؟ لا! الموازنة الكاملة غير ممكنة، فهناك تأرجح مستمر بين كفتي هذا الميزان الصعب. والذي أدركته مع مرور الوقت أنه هناك خطوات تساعد على التعامل مع التحديات التي تواجه الأم العاملة وأهمها تنظيم الوقت وتوزيعه. فمثلاً أحاول أن أكرس فترة الصباح قبل مغادرتي للعمل بأكملها لأطفالي، لأعتني بهم وأقضي معهم الوقت الكافي. وكذلك الحال عند عودتي للمنزل بعد انتهاء العمل. كما أحاول أن أوزع عطلة نهاية الأسبوع بيني وبين أطفالي، بحيث أكرس جزءاً منها لنفسي، والجزء الآخر لأطفالي.

دعم النساء في رحلة الأمومة

لا أظن أن النساء في مجتمعاتنا لديهن ما يكفي من الدعم خلال رحلة الأمومة. فتحصل المرأة خلال رحلة الأمومة على الدعم من الشريك، أو الأهل، أو من تجربتها السابقة بالحمل والولادة. غالباً ما تحصل المرأة على معلومات من أمها أو خالتها واللاتي يقدمن في الكثير من الأحيان نصائح معاكسة، فتزداد حيرة المرأة.

أحياناً يكون الزوج مغيباً في رحلة المرأة مع الأمومة، ولا يعلم أي شيء التغيرات الجسدية والنفسية التي تمر بها زوجته خلال الحمل وبعده، وغالباً ما يكون في إجازة عندما يتعلق الأمر بالعناية بالطفل الرضيع، ولا يشارك المسؤوليات المتعلقة بذلك.

 

ثم هناك جانب المعرفة والمعلومات، فإذا قمنا ببحث عن موضوع متعلق بالحمل، سنجد الكثير من المقالات وكل من هذه المقالات مكتوبة بأسلوب مختلف، وتقدم معلومات مختلفة أيضاً. ولا يوجد إلى اليوم مصدر موثوق موحد يقدم معلومات واضحة ومباشرة. لذلك تحمست كثيراً لفكرة منصة أمومة، حيث أنها منصة باللغة العربية تقدم دورات ومقالات من خبراء ومختصين. وتكمن أهمية أمومة الأساسية بأنها باللغة العربية، فبالرغم على اعتيادنا على استخدام اللغة الإنجليزية في حياتنا اليومية، إلا أنه عندما يتعلق الأمر بمعلومات طبية عن الحمل والولادة، والعناية بالمواليد سنرغب بأن تكون بالعربية. أما الميزة الأخرى التي أجدها لدى منصة أمومة هي أنها لن تقتصر على تقديم معلومات مكتوبة فقط، بل سيكون هناك دورات ودروس مصورة مقدمة من أطباء ذوي خبرة وعلم.

تهيئة بناتي للمستقبل

لعلها من الأمور الصعبة التي أفكر فيها، ولكن بعد ما مررت به فأنا أسعى إلى تربية بنات قويات ومستقلات، ليكن نساء مستقلات وقويات قادرات على الاعتماد على أنفسهن ومواجهة الصعاب. وأعمل على تعليمهن الكثير من الأمور التي لطالما حجبت عنا ونحن صغار تحت ذريعة أنه لا داعي للأطفال أن يعرفوا عن هذه الأمور. فلا بد للطفل أن يتعرف على الحياة مبكراً ليعرف عن الصح والخطأ، وعن السلوكيات المقبولة وغير المقبولة ليصبحوا قادرين على اتخاذ قرارات صحيحة بعد ذلك.

 

منصة أمومة ودورها بمساعدة النساء بمجتمعنا

عندما علمت عن فكرة منصة أمومة وجدت أنها فكرة رائعة، فهي فكرة رائدة وهي الأولى من نوعها. فبالرغم من وجود مواقع تقدم محتوى للأمهات، إلا أنه لم يكن يوجد قبل أمومة منصة مكرسة بالكامل لتقديم محتوى عالي الجودة، وباللغة العربية من خبراء وأطباء، ومختصين بكل المجالات المتعلقة بالأمومة. وأتطلع بشغف لانطلاق المنصة وما ستقدمه من دعم للأم العربية.

أما بالنسبة لدور أمومة بمساعدة النساء بمجتمعنا فهي ستكون عوناً كبيراً لهن في رحلة الأمومة. فبناء على تجربتي أدرك تماماً أهمية هذا النوع من المعلومات والمعرفة المخصصة عن الحمل، والولادة، والعناية بالمواليد. فلم أكن أعرف الكثير عن العناية بطفلي خلال الأشهر الأولى بعد الولادة، ولم أكن أدرك التغيرات التي يمر بها جسمي في كل حمل. عدم المعرفة الكافية كان من أكبر التحديات التي واجهتها في تجربتي في الأمومة.

 

 

 

تصفحي أيضاً الأمومة: هل تحتاج للتدريب؟

مذيعة